ابن عجيبة
118
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أي : صلبت ولم تلن ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ؛ فصرفهم عن التضرع ، أي : لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم . فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي : تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء ، ولم ينزجروا ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من أنواع الرزق وضروب النعم ، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء ، وامتحانا لهم بالشدة والرخاء ، إلزاما للحجة وإزاحة للعلة ، أو مكرا بهم ، لما روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مكر بالقوم ورب الكعبة » « 1 » . حَتَّى إِذا فَرِحُوا أي : أعجبوا بِما أُوتُوا من النعم ، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه ، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي : فجأة ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ متحيرون آيسون من كل خير ، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي : قطع آخرهم ، ولم يبق منهم أحد ، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم ، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة ، يحق أن يحمد عليها ؛ من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم . وبالله التوفيق . الإشارة : المقصود من إظهار النقم الظاهرة ؛ ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة ، فإن الأشياء كامنة في أضدادها ، النعمة في النقمة ، والرخاء في الشدة ، والعز في الذل ، والجمال في الجلال ، إن وقع الرجوع إلى اللّه والانكسار والتذلل . « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى » . فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة ، توجب نعما غزيرة ، فإذا قست القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع ، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا . فإنّ ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها : ما يكون أدبا وكفارة ، ومنها : زيادة وترقية ، ومنها : ما يكون عقوبة وطردا ، فإن صحبها التيقظ والتوبة ، كان أدبا مما تقدم من سوء الأدب ، وإن صحبه الرضى والتسليم ، ولم يقع ما يوجب الأدب ، كان ترقية وزيادة ، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا . أعاذنا اللّه من موارد النقم . ثم احتج عليهم بوجه آخر ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 46 إلى 47 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 )
--> ( 1 ) لم أقف عليه مرفوعا . وذكره السيوطي في الدر موقوفا على الحسن ، وعزاه لابن أبي حاتم . لكن روى أحمد في المسند 4 / 145 والطبراني في الكبير 17 / 331 وابن جرير في التفسير ، من حديث عقبة بن عامر مرفوعا : ( إن رأيت اللّه يعطى العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج . ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( فلما نسوا ما ذكروا به . . . ) الآية والتي بعدها ) .